يسعى هذا العمل للبحث في مسألة التصوّف في الديانتين البوذية والمسيحية.
1. التصوّف البوذي:
الديانة البوذيّة ديانة عميقة سجّلت مكانتها بين الديانات القديمة لتكون الأكثر انتشارا والأكثر رمزيّة ،حيث ظهرت هذه الدّيانة في الهند ثم اتّجهت نحو شعوب أخرى مثل اليابان والصين وكوريا . وتنضوي تحت هذه الديانة طوائف مختلفة تعدّ أكثر من ثلاثة ملايين طائفة في الهند. لذا فهي تختزن ثقافة دينيّة كبيرة جدا.
. وطائفة"زن" البوذيّة هي الطائفة الصوفيّة الأهمّ والأكثر شهرة في ميدان التصوّف البوذي. هذه الصوفيّة ظهرت في البداية بالصين وانتقلت إلى اليابان لتلتقي الرعاية الكاملة و تتربّى تحت عناية شعبيّة.
· اللاوعي في بوذيّة "زن"
يختلف مفهوم اللاوعي في بوذيّة"زن" عن نظيره في الميدان النفساني. فالمقصود هو الفوق علمي أو قبل علمي فمقاربة زن هي أن يتأمّل المرء في ذاته قبل أن يضع نفسه تحت سيطرة العلم. ف(السّمة الرّئيسيّة التي تميّز المقاربة العلميّة توصيف الموضوع والكلام عنه والدوران حوله و التقاط كلّ ما يجذب فكرنا الحسّي وتجريده بعيدا عن الموضوع ذاته)[1]
أمّا مقاربة زن فهي الدخول إلى ذات الشيء يقول سوزوكي(أن يدخل في الموضوع ذاته وتراه كما هو من الداخل فأن تعرف الزهرة هي أن تصبح الزهرة)[2]
إذن فهذه المقاربة تمكّن من الوصول إلى الحقيقة التي يصعب الوصول إليها جرّاء تملّصها من الباحث فهي طريقة فعليّة للوصول إلى معرفة الواقع قبل أن تصل إليه المقاربة العلميّة. فاللاوعي هو شيء نشر ه يمكننا من إيجاد ذواتنا في الواقع رغم أنّ العلم لا يمكن أن يمنحنا إحساس بالطمأنينة والأمن مثل ما تمكنه الحياة الروحيّة. فحبّ الله يعني أن تكون بلا ذات وان تكون بلا عقل وذلك بالتخلّص من دوافع الوعي المقيّدة.
· مفهوم الذات:
إنّ مقاربة "زن" للواقع والتي يمكن تعريفها بأنّها مقاربة قبل علميّة هي مناهضة للعلم إذ لا يمكن معرفة الذات إلاّ بالتماهي بين الذات والموضوع(المعرفة العلمية للذات ليست معرفة واقعيّة ما دامت تموضع الذات)[3]
فالإنسان يحيا حياته هو لا حياة غيره وحياة نموذج معيّن. والمعرفة العلمية للذات ليست معرفة واقعيّة ما دامت تموضع الذات وينبغي قلب اتجاه الدراسة العلمي و الإمساك بالذات من الداخل وليس من الخارج. وهذا يعني أنّ على الذات معرفة ذاتها دون الخروج من ذاتها. وقد ضرب سوزوكي مثالا على الذاتيّة(يمكن مقارنة الذات بدائرة لا محيط لها وبالتالي فهي سونياتا أو فراغ ولكنّها أيضا مركز مثل هذه الدائرة)[4]
كلّ ما يميّز تجربة زن في الذاتيّة هي كونها مشبعة بالشعور بالاستقلال و الحريّة وتقرير المصير و أخيرا الإبداع. والذات هي نقطة اللانهاية. والإبداع هو السمة المميّزة للعامل المقرّر لمصيره بنفسه والّذي ندعوه الذات الفرديّة.
ويتكوّن التصوّف البوذي من خمس مراحل تتكوّن فيها الذّات المتصوّفة وتنقسم إلى مجموعات عقليّة وأخرى وجدانيّة. الماحل الثلاث الأولى هي مراحل عقليّة و الوسطى انتقاليّة أمّا الأخيرتان فهما وجدانيتا.
إذن فالتصوّف البوذي والذي يشكله طائفة زن يمثل نموذجا مهمّا وثريّا للتصوّف البدائي أو التصوّف في الأديان القديمة فهو يركّز على تأثيرات النفسيّة لى الذات وقد كان هذا النوع من التصوّف سبيلا إلى تطوّر المجتمات التي تعتنقه لأنّها تؤمن بهدفيّة هذا التصوّف.
2. التصوّف المسيحي:
إنّ تطوّر تاريخ التصوف جعله يتحول إلى مبحث أساسي في دراسة الأديان. والمتتبع للتصوف المسيحي يجد اقتران هذا المصطلح بمصطلح الرهبنة والتي يعتبر البعض أنّها أصل للتصوّف المسيحي كما يعتبرون أنّ الزهد هو أصل للتصوف الإسلامي. وقد أعطى محمد عبد الحميد الحمد في كتابه الرهبنة والتصوف أنّ (الرهبانية هي الخضوع لرئيس يتمثّل اللاهوت الكنيسي بينما التصوف نسك فردي قائم على سيطرة نفس المرء المتصوّفة على انفعالاتها)[5]
ومن هذا القول يكون امتداد التصوّف في الديانة المسيحيّة بما هي علاقة روحيّة دينيّة إلى الإيمان بالمسيح بما هو وسيلة إلى الوصول لشعور المتصوف. وقد جاء في سفر الرؤيا( طوبى لمن يقرأ ولهؤلاء الذين يسمعون أقوال الأنبياء وذلك لأنّ الساعة قريبة)[6]
فقول المسيح يسوع هذا هو الدليل على بداية التصوف. كما أنّ طائفة المتصوّفة ظهرت بين الفقراء والمحرومين في عهد الامبراطور قسطنطين الذي جل المسيحية دين ودولة وأصبحت الكنيسة مؤسسة تابعة للدولة.
ومن هذا الأمر خرجت جماعات ثوريّة تنشد الخلاص الروحي خارج جدران الأديرة. ومن تلك الجماعات جماعة أدلفوس الرهاوي الذي مارس التقشف في مصر وسيناء ثمّ رجع إلى بريّة الرها ليقضي وقته في الصلوات المتواصلة في عزلة واعتكاف خارج الأديرة. وقد اعتمد أدلفوس على قواعد الحياة الصوفيّة وعلّم أتباعه أنّ القوّة في الصلاة يمكن أن تخضع الخطيئة وتوصل الإنسان إلى درجة الكمال. كما أضفت آراء جديدة إثراءات لهذا الفكر خاصّة وأنها قادمة من بقايا أساطير قديمة موطنها الذهن الشعبي. كما أن التصوف المسيحي قائم ضافة إلى التقشف على الخلاص( الخلاص في التصوف يتم عن طريق مجاهدة النفس و السمو بها بالمعرفة الإلهية للوصول إلى الاتحاد بالله)[7]
فدرجة الاتحاد بالله لا تكون إلا بترك شهوات النفس و الارتفاع عن طريق المعرفة الإلهية إلى أسمى مراتب التصوف ويقول أحد شعراء المسيح الرهبانيين
محاسن الدير تسبيحي ومسباحي وخمره في الدجى صبحي ومصباحي
أقمت فيه إلى أن صار هيكله بيتي ومفتاحه للحسن مفتاحي
مناديا في قلاليه رهبانية فيهم بخفة أبدان و أرواح
ووشحوا غرر الآدب فلسفة وحكمة بعلوم ذات إيضاح[8]
فهذه الأبيات تعطي إيضاحا على منهج المتصوفة المسيحيين الذي يكثرون من الصلوات خارج الأديرة على عكس الرهبانيين الذين يعتكفون بهذا المكان.
وقد كان المتصوفة عند المسيحيين مجالا رحبا لعرض أفكار الفلاسفة فقد دعا أفلوطين والذي يسمّى بالصوفي الكبير إلى الزهد ونبذ الشهوات و دعا الإنسان إلى التشبّه بالله والإكثار من التأمل و الصمت الطويل وقد جاء أفلوطين بنظريّة التناسخ وهي حلول نفس آثمة بعد الموت بنفس أخرى ثمّ حالة الوجد فهي تطهر النفس الآثمة من الإثم بالمعرفة الإلهية باعتبارها سعيا للاتحاد بالله.
وهذه الحالة مرّ بها الكثير من فلاسفة الإسلام والمتصوفين.
ومن أبرز المتصوفة المسيحيين أريجانس الاسكندري وهو الأب الروحي للمتصوفة المسيحيين والذي قال بأنّ طرق التصوف ثلاث أوّلها عن طريق المعرفة وقراءة الكتب المقدسة وهو طريق المريدين ثم ن طريق المجاهدة الروحية وهي تميز المتمرسين ثم عن طريق النعمة واللطف الإلهي وهي للواصلين إلى منبع اللطف.
[1] التصوّف البوذي والتحليل النفسي، سوزوكي، دار الحوار للنّشر والتوزيع ،الطبعة الأولى، 1996،ص30.
[2] التصوف البوذي والتحليل النفسي، سوزوكي، ص 30.
[3] التصوف البوذي والتحليل النفسي، سوزوكي، ص50.
[4] التصوف البوذي ةالتحليل النفسي، سوزوكي، ص50.
[5] الرهبنة والتصوّف، محمد عبد الحميد الحمد، الطبعة الأولى، 2004،ص45.
[6] سفر الرؤيا/12.
[7] الرهبنة والتصوف، محمد عبد الحميد الحمد، ص 45.
[8] الرهبنة والتصوف، محمد عبد الحميد الحمد، ص 54,
[1] التصوّف البوذي والتحليل النفسي، سوزوكي، دار الحوار للنّشر والتوزيع ،الطبعة الأولى، 1996،ص30.
[2] التصوف البوذي والتحليل النفسي، سوزوكي، ص 30.
[3] التصوف البوذي والتحليل النفسي، سوزوكي، ص50.
[4] التصوف البوذي ةالتحليل النفسي، سوزوكي، ص50.
[5] الرهبنة والتصوّف، محمد عبد الحميد الحمد، الطبعة الأولى، 2004،ص45.
[6] سفر الرؤيا/12.
[7] الرهبنة والتصوف، محمد عبد الحميد الحمد، ص 45.
[8] الرهبنة والتصوف، محمد عبد الحميد الحمد، ص 54,

تعليقات
إرسال تعليق