القائمة الرئيسية

الصفحات

"وبالحقّ أنزلناه وبالحقّ نزل"بقلم :أ. منتصر بوعجيلة



هذا المقال نبغي من خلاله محاولة الإجابة عن سؤال مهمّ ومشغل صعب وهو: كيف نتقدّم؟كيف نصلح أنفسنا؟كيف نتطور ونزدهر؟

يقول تعالى:"وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وماأرسلناك إلاّ مبشرا ونذيرا،وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا"(الإسراء 106-107).

لقد رسم الله من خلال هذه الآية الكريمة ملامح نهوض الأمة وصحوتها،وبيّن الاستراتيجية التوحيدية التي من خلالها تتوحد قلوب المسلمين وتتقارب بها مشارب السالكين.فقد أعطى سبحانه خاصية عظيمة لهذا الدين وهو قيامه على مفهوم:"الحقّ".كل الديانات قائمة على مفهوم اليهودية قائمة على مفهوم"العداوة"،المسيحية قائمة على مفهوم"الخلاص"،الهندوسية على مفهوم "الحلول".. أما الإسلام فقد انبنى على "الحقّ".والحق في اللغة يأتي بمعنى "الثبات والصحة" وفي القرآن بمعان متعددة:

·        الحق بمعنى "الله"عزوجل ومثاله
"و العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"

·       معنى القرآن :مثاله في قوله تعالى في سورة ق:"بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج"

·       بمعنى التوحيد ومثاله في سورة الأعراف:" لقد جاءت رسل ربنا بالحق"

·       بمعنى العدل ومثاله قوله في سورة الزمر:" وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون"

·       بمعنى الإسلام ومثاله قوله تعالى:" هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"

·       بمعنى الصدق كقوله سبحانه:"ألا غن وعد الله حقّ"(يونس)

وقد فسر الإمام ابن كثير الدمشقي الحق في آية الإسراء بقوله "وبالحق أنزلناه: أي متضمنا للحق أي متضمنا علم الله الذي أراد أن يطلعكم عليه من أحكامه وأمره ونهيه، وبالحق نزل أي ونزل إليك يا محمد محروسا لم يشب بغيره بل وصل بالحق نزل به القوي الأمين المكين" وقال الطبري:" أي أنزلناه نأمر فيه بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة،والأمور المستحسنة الحميدة وننهى فيه عن الظلم والأمور القبيحة والأخلاق الرديئة والأفعال الذميمة (وبالحق نزل)من عند الله على نبيه صلى الله عليه وسلم" وعلى هذه المعاني اتفقت كتب التفاسير في حديثها عن معنى الحق المراد في هذه الآية.
إذن فهذه دعوة إلى الله عز وجل والتمسك بوحدة الأمة الإسلامية

العنصر الأول:الدعوة إلى وحدة الأمّة الإسلاميّة.

يقول تعالى" إنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"(الأنبياء)

ويقول أيضا: "وإنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون"(المؤمنون)

هكذا تجلّت الدعوة إلى التوحيد بعبادة الله وبتقوى الله عز وجل مرورا بتوحيد صفوف المسلمين في مستوى الشعائر والعبادات في مستوى الأهداف والغايات وهو نصر الدين ونشر الدعوة إلى الله.ولا يكون هذا إلا بحتمية التوحّد ونبذ الفرقة ونشر المحبة والتسامح حتى قال المصطفى صلى الله عليه وسلم" المؤمن للمؤمن كالبنيان،يشدّ بعضه بعضا"(متفق عليه) وشبك بين أصابعه(ص). وعبر عليه السلام في حديث ثان أورده النعمان بن بشير عن حتمية التعاطف والتراحم " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى"(متفق عليه)

وبدأت نطاقات العالم الإسلامي من خلال هذه العقلية والاستراتيجية التوحيدية في الاتساع وتحركت جيوش المسلمين نحو الشام والعراق وتتالت الفتوحات مشرقا ومغربا وتحولت العرب من جاهلية إلى تمدن وتحضّر. ولم يكن التحذير إلا من الفرقة والتشتت"واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم واعلموا أن الله شديد العقاب"(الأنفال)، واستحال الوفاق إلى شقاق والوحدة إلى فرقة وكانت بداية خيانة الأمة التي شرفها سبحانه بقوله"كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون"(آل عمران)،انتشرت الفتن في عصر الدولة الأندلسية وأصبح واقع الأمة مرتبطا بتوجه القيادات السياسية حتى نعى الشعراء الأندلس فقال أحدهم:

            "لكل شئ إذا ما تم نقصان       فلا يغرّ بطيب العيش إنسان

           هي الأمور كما شاهدتها دول    من سرّه زمن ساءته أزمان

           وهذه الدار لا تبقى على أحد    ولا يدوم على حال لها شان"

والعبرة في ذلك أنه لايمكن أن نتقدم إلا إذا توحدت الأمة. فما هو منهاج المؤمن في هذا الأمر الجلل؟

العنصر الثاني:منهاج المؤمن في توحيد الأمة

قال تعالى "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث"

القرآن هو حبل الله المتين الشديد الذي إن تمسكنا به لن نضلّ أبدا مصداقا لقوله تعالى " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا"(آل عمران)

القرآن وهو كلام الله وما فيه من حقائق وأسرار ومعجزات تشريعية وغيبية وعلمية وتاريخية يتطلّب ممارسة معيّنة وهي القراءة.ولكن أي قراءة هي :على عجل ؟ كلاّ بل على مكث أي على مهل.لماذا؟ لأنّ القراءة الحقيقة والتي انطلقت من النص الافتتاحي وهو" اقرأ باسم ربك الذي خلق" تتحول إلى مشروع ديني تربط بين الواقع والدين.فقراءتك للقرآن هو قراءتك للواقع أي فهمك للقرآن أخي المسلم هو فهمك للعالم الخارجي.وبهذا نجح الرسول الكريم مع صحابته الكرام فكان وعيهم بمافي القرآن من حلال وحرام ومن أوامر ونواهي ووعيهم بحقوقهم وواجباتهم سببا في  ريادتهم الأمم بعد أن كانوا أميين" هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال بعيد"(الجمعة) فتخرّج من المدرسة المحمدية القرآنية رجال أشداء رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون رضوان الله تعالى يخشونه حتى رضي عنهم ورضوا عنه.فقد كانوا منتبهين جيّدا للنداء الإلهي "يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم" (البقرة) فكانوا ربانيين. وكانوا منتبهين لقوله "وفي الأرض آيات للموقنين،وفي أنفسكم أفلا تبصرون" (الذاريات) فكانوا بالتالي أهل عقل وتدبير وحكمة.وكانوا منتبهين كذلك لقوله "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل"(الروم) فكانوا معتبرين بتاريخ من قبلهم من الأمم. وأضفى منهاج المجاهدة الروحية طعما آخر للقراءة " يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو أنقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا،إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطئا وأقوم قيلا"(المزمل) وبالتالي فترتيل القرآن أو القراءة على مكث أي فهم القرآن وتدبره بالإضافة إلى اختيار التوقيت المناسب للقراءة وهو الليل أين يختلي المؤمن وينتصر على نفسه ليكون في رحاب الله ينتج عن ذلك كله صلاح النفس وتفجر الطاقات والإمكانات التي تجعل هذا الإنسان البسيط فاعلا إيجابيا في عالمه ناجحا في مواصلة تلك الرسالة المحمدية.ليغنم في الأخير ببشارة المصطفى بالجنة" وما أرسلناك إلا مبشرا(في صورة النجاح في القراءة)بالجنة ونذيرا(في صورة الفشل في القراءة) بالنار.وقد كان هذا منهج النبي (ص) في الصلاح والإصلاح والبناء والتأسيس دينيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا

االعنصر الثالث:الرسول الكريم كقدوة حسنة.

تمت عمليّة إرسال النبي صلى الله عليه وسلم من أجل التبليغ برسالة عظيمة رسالة الحقّ فبرزت ملامح العظمة في شخصيته صلى الله عليه وسلم فكان بحق الأسوة الحسنة لقوله تعالى:"ولكم في رسول الله أسوة حسنة". كيف لا وقد قال النبي عليه السلام:"أدّبني ربّي فأحسن تأديبي" فكان أدبه القرآن واشتغل بالقرآن وذاق حلاوة القرآن.فكان جديرا أن تكن رسالته رسالة عالميّة "وما أرسلناك إلاّ كافّة للناس بشيرا ونذيرا"(سبأ) وقوله تعالى:"تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا"(الفرقان) فكانت سيرته (ص) وأفعاله تطبيقا لمبدإ عالميّة الرّسالة جاء في السيرة النبوية لابن هشام عن أبي بكر الهذلي قال بلغني أن رسول الله (ص) خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التي صدّ عنها يوم الحديبية فقال:"ياأيها الناس إن الله قد بعثني رحمة وكافة،فلا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم.فقال أصحابه:وكيف اختلف الحواريون يارسول الله؟قال:دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه،فأما من بعثه قريبا فرضي وسلم وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكرّه وتثاقل فشكا ذلك عيسى إلى الله فأصبح المتثاقلون وكلّ واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها. فكان اتخاذ النبي عليه السلام لطريقة إرسال الكتب إلى الملوك والأمراء يدعوهم فيها إلى الإسلام فبعث إلى ملك فارس والحبشة والإسكندرية. 

لقد صور القرآن الكريم النبي شخصية لينة مجبولة على الرحمة "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إنّ الله يحبّ المتوكلين(آل عمران)ولذلك كانت شخصية النبي عليه السلام سوية متوازنة واضحة المعالم بما جعله يرقى إلى مرتبة القدوة العليا التي تأثر بها أصحابه فأحبوا الحق ووقف في وجه الظلم والباطل ويتبنون قيما عظيمة تحتاج إليها الإنسانية في كلّ عصر:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"(البقرة)وقال أيضا:"لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم ثمّ تاب عليهم إنه رؤوف رحيم"(التوبة) فقرن عز وجلّ طاعته بطاعة الرسول "من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن يتولّى فما أرسلناك عليهم حفيظا"(النساء) كما أكّد القرآن ضرورة الولاء لله ورسوله:" وماأتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب"(الحشر).   

 

 

 

 

 
















 

 

author-img
باحث في الدراسات الدينية المقارنة

تعليقات