لم يترك القرآن الكريم لقارئه مجالا واسعا للحيرة و الشكّ. فمجمل الآيات المنزلة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت آيات واضحات انتشرت بين ثنايا المصحف لتبين للناس سبل النجاح والتطور و الفوز في الدنيا والآخرة. وهو لا محالة هدف سام ينشده كل مؤمن بالله تعالى ومتيقن بوجود إله للكون يحكمه وفق نواميسه و قوانين خاصة توجب بذلك تعبده و الإيمان به.
وتعتبر سورة الفاتحة أولى السور بين دفتي المصحف، غير أننا لن نغوص في فضائلها و خواصها بل سنرتحل في هذا المقال مع آية عظيمة من الآيات التي نتلوها كل يوم عدة مرات. بل آية يحفظها جميع المسلمين مهما بلغ مدى أميتهم باللغة و أسرارها والقرآن و آياته و المعرفة و نظرياتها.
هذه الآية هي قوله تعالى "إياك نعبد و إياك نستعين" والتي وردت في سورة الفاتحة الآية الخامسة باعتبار أن البسملة آية من آياتها.
وقد أورد ابن كثير في تفسيره قول قتادة في معنى هذه الآية :" إياك نعبد وإياك نستعين يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم". فالعبادة الحقيقية تقتضي على الفرد حسن الإخلاص لله تعالى و الاستعانة به حتى يهتدي إلى الطاعة. فكانت هذه الاستعانة "إياك نستعين" وسيلة يتحقق بها الطاعات.
يقول تعالى: "و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، فهذه الآية تبين للإنسان معنى خلقه الأساسي وهو عبادة الله تعالى. فما معنى العبادة؟
العبادة في معناها اللغوي تحيل إلى "الطاعة" و "الخضوع" ومدلولها في الاصطلاح الشرعي فتعني "الدين كله"، فهي كما عرفها ابن تيمية " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".
يقول تعالى "فاعبدوا ربكم و لاتشركوا به " يظهر من خلال هذه الآية و ما يماثلها أنه حق على العباد أن يعبد الله في كل أفعالهم و عبادته هي "امتثال أوامره واجتناب نواهيه" كما يقول الشاطبي.
فأمره تعالى للناس بقوله "اعبدوا" هي دعوة للخضوع والتذلل لله تعالى فهو من يرسم الطريق المعبدة لهم حتى يهتدوا إلى الطاعة الكبرى. فكل نسك شرعه الله سبحانه في شريعته هو بالأساس رحمة للأفراد كالصلوات و الزكاة و الحج وغيرها من التعبدات المالية والبدنية و المعاملات بين الناس، لها من الآثار على الفرد والمجتمع ما به يتحقق النعيم و السعادة في الآخرة و ما به يتحقق أرغد العيش في الدنيا.
لذا فإن تمسك المؤمن بقوله تعالى "إياك نعبد و إياك نستيعن" وتدبره لهذا الآية يجعل منه واثقا تماما أن الله هو خالق هذا العالم و مسير له تسييرا محكما وفق قوانين إلهية، فعبادة هذا الرب الواجبة على جميع المخلوقات سبيل ييسر أن يحيا الفرد بسلام داخلي و ترتاح نفسه من كل ما يتعبها و ينهكها.
عندما تكتنز أيها المؤمن في نفسك معنى العبادة لله وحده فأنت ترتقي في وجدانك لأبعد ما تتخيل، فتزداد ثقتك بنفسك حتما، كيف لا و أنت واثق أن مطعمك و مشربك و لباسك و كل حاجياتك الفيزيولوجية والنفسية يديرها الرحمان من فوق سبع سموات.
قد يطعن الملحدون في صدقية القول بوجود رب معبود، لكن ما يمكن أن يكتشفه العلماء عند تشريح جثة مؤمن عابد أو شق صدر ناسك مسلم يوقنون أنه كان يحيا حياة طيبة هادئة لقوله تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"

تعليقات
إرسال تعليق