القائمة الرئيسية

الصفحات



عندما نختار الأسئلة الصحيحة فإننا بالضرورة ننتهي إلى الإجابة عما يحيرنا بإجابات سليمة وأكثر مصداقية. كذلك ما يدعونا إليه القرآن الكريم من حسن اختيار الطلب الصحيح أو الدعاء السليم الذي يجب على كل مسلم أن يتوجه به إلى الله تعالى، حيث يقول تعالى في الآية الكريمة من سورة البقرة: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". 

لا نحاول في هذا المقال البحث في معنى هذه الآية وشرحها، بالسؤال (مامعنى؟)، بل إننا نبحث عن ما وراء هذا الطلب بالسؤال (لماذا؟)

لنتساءل أخي القارئ، لماذا دعانا الله لنطلب منه حسنتي الدنيا والآخرة وأن نتقي عذاب النار؟

إن عالم الشهود الذي يعيش فيه الإنسان هو عالم مختلف عن بقية العوالم التي خلقها الله سبحانه وتعالى، أساسا هو مختلف عن عالم الغيب و ما وراء الطبيعة. وهذا شيء معلوم لدى الجميع لكنه في الآن ذاته يختلف تعامل البشر فمنهم من يجعل الدنيا محور اهتمامه ومنهم من يجعل الدنيا آخر اهتماماته ويحرص على التورع والتزهد فيها ويهتم بالآخرة اهتماما شديدا فينسى نصيبه منها.

لذلك كان طلب إتيان حسنة الدنيا من امرأة صالحة و وولد صالح وحياة كريمة و غيرها من الطيبات التي أحلها الله يقتضي أيضا السعي المحمود من أجل التحصل عليها، بالاسعانة بالله عز وجلّ من خلال الدعاء والتوكل عليه من خلال الفعل أي العمل الصالح المؤدي إلى هذه الحسنة.

إن عزوف البعض عن السعي في الدنيا بتعلة صعوبة الحياة أو عسر الحصول على الرزق يندرج ضمن انهيار نفسي بشري يتعدى الفرد في حد ذاته إلى انهيار جماعي يؤثر في المجتمع فينبذوا كل اندماج اجتماعي وتماسك مجتمعي، فلم يعد طموح الشباب في هذا العصر سواء كان شبابا مثقفا نخبويا أو شبابا عاطلا عن المشاركة الفاعلة في المحيط ، بناء أسرة أو السعي في الحياة وراء أسباب الكسب. بل ما نلاحظه هو رغبة شديدة في حلم طوباوي قائم على الكسب السريع من جهة و التوجه نحو الفردانية بعيدا عن فكرة تأسيس بيئة أسرية خاصة لنلاحظ كذلك تندر كثير من الشباب بمسألة الزواج التي أضحت خارج أولوياته .

في مستوى آخر فإن الوعي الحقيقي يقود إلى ضرورة السعي وراء حسنة الآخرة وهي الجنة بنفس حرصنا على السعي وراء حسنة الدنيا في ارتباط وثيق بينهما بل إن عملية السعي الدنيوية تؤدي إلى التمكن من حسنة الآخرة. وهو دليل على التكامل بين أوامر الشريعة السمحة التي ترغب الإنسان في الآخرة وملذاتها كما ترغبه في الدنيا وأسبابها.

إن الوعي الجمعي الذي يقارب بين مسؤولية الإنسان في الكون وهي الإعمار والتنمية وبين طلب الجنة في الآخرة ينتج في النهاية نهوضا حضاريا ومعرفيا و ووجدانيا يساهم في تنمية قدرات الأفراد الذاتية وتطوير إنتاجاتهم الإبداعية في شتى صنوف العلم و المعرفة، وهو من المقاصد الأساسية للخلق الإنساني

إن العقل الذي يرنو إلى البحث عن معرفة الله كمدبر للكون و مسير لحياتي الدنيا والآخرة يستبعد أن تتحول حياة الإنسان الصالح والطائع إلى "حفلة شواء" كما يصورها العاجزون عن فهم المقاصد الربانية، فيدعوا الناس بنبرات ترهيبية زجرية جافة. نحن هنا لا ننفي عذاب النار، بل نتوجه إلى المنهج  اللإلهي وهو دعوة الناس إلى التوقي من أسباب الغضب الرباني على العباد بفعل المنكرات والمحرمات و الفساد في الأرض، ويكون ذلك باتباع الأموار الربانية والشريعة القويمة والأخلاق الفاضلة لتستحيل الآخرة بفضل من الله وعدل إلهي إلى راحة أبدية وحياة سعيدة.

author-img
باحث في الدراسات الدينية المقارنة

تعليقات