القائمة الرئيسية

الصفحات


تتنزل قضية الأولويات عند المفكر التونسي محمد المستيري ضمن الشروط المنهجية للنهوض الحضاري[1] الذي ترنو الحركات الإصلاحية تحقيقه باعتبار أن هذه الشروط "هي الأسئلة الموجهة لعملية الإحياء، أخلاقيا و معرفيا و استراتيجيا"[2].

وقبل الخوض في مبحث الأولويات يجدر الإشارة إلى تعريف مصطلح النهوض كما يراه المفكر حيث يعتبره: "حركة نفسية وفكرية دائبة ودائمة ترافق أجيالا من المبدعين والمجددين من أجل صياغة نسق حضاري متكامل"[3]

ليكون بذلك سؤال التحضر عند المستيري متجاوزا للمصطلح في حدّ ذاته ومتجاوزا للنزعات الإنفعلاية الإصلاحية الرامية إلى إيجاد العلاج الفكري فهو "وعي وتخطيط واستشراف يطمئن للقدر الإلهي و يتوكل على المقدور الإنساني"[4]

وتنقسم الأولويات الأساسية للنهوض الحضاري كما يراها المستيري وهو ينظر إليها بعيون تأصيلية وتأسيسية، إلى ثلاث أولويات:

*الأولوية المعرفية

*الاهتمام بالعمل المؤسسي

*الزمنية

إن مشكلة الفكر الإصلاحي الإسلامي هو افتقاده لاستراتيجية معرفية متجددة قادرة على تخطي تحديات الصراع الحضاري و تنبثق من عمق الوعي بحاجيات المجتمع. لذلك تكون الأولوية المعرفية في تصور المستيري: "تقتضي دفع الطاقات الشبابية وتعبئة الموارد العلمية والعقول المبدعة لخدمة أهداف التنظير، والمراجعة والنقد و التخطيط من داخل الاهتمامات والحاجات الدقيقة للتجمعات الإسلامية في العالم"[5]

وبالتالي فالاستراتجية المعرفية داخل الإطار الإصلاحي يجب أن تخضع إلى دينامكية تجديدية في المجال الإبداعي والثقافي وغيرها في محاولة للتفوق على ما ينتجه الآخر من معارف وما يكتسبه من آليات تساهم في تقدمه الحضاري.

هذه المقاربة تساهم في الحدّ من النزعات التغريبية و الوقوف أمام حركة الاستشراق المهيمنة على مكامن العمل المعرفي الإنساني"إن الرد على المشروع التغريبي يفرض دراسة علمية نقدية عميقة لأصوله ومناهجه وعلومه وسياقه التاريخي وذلك ضمن مشروع الاستغراب أو نقد الحداثة من منظور إسلامي"[6]

وهذه المنهجية تعدّ سبيلا إلى استيعاب الإنتاج التغريبي بآليات علمية معاصرة.

وينقد المستيري في تصوره غياب الجانب المؤسسي وعشوائية التجارب الإصلاحية القائمة على الفردانية والطائفية مقابل "تضخم سلطة المؤسسة ضمن ثقافة العولمة"[7]

ولا مجال في حقيقة الأمر لتماسك أولويتي المعرفة و المؤسسة إلا بإعادة الاعتبار لقيمة التحديد الزمني "وحين تنتقص معادلة الزمن من أولويتي المعرفة و المؤسسة في اتجاه محاولات للنهوض، تفرغ هذه المحاولات من تاريخيتها و تتحول إلى أوتوبيا لا أثر لها سوى في الخيال"[8]

يدعو المفكر محمد المستيري إلى إعادة مكانة الخطاب الإسلامي ضمن الخطاب الإنساني بخطاب" مصاغ لغة شعوب العالم المتداخلة تحيي فيه طاقاته الحجاجية ومن ثمة الدعوية المعاصرة"[9]

و لا يسعنا في ختام هذا المقال إلا أن نؤكد على أهمية العناية  بالمشاريع الفكرية الإصلاحية المعاصرة والتي حاول أصحابها بعيون تجديدية مقارعة الهيمنة الحضارية الغربية



[1] المستيري(محمد): جدل التأصيل والمعاصرة في الفكر الإسلامي، منشورات كارم الشريف، ط الأولى، 2014،ص232

[2]  المصدر نفسه، ص218

[3]  المصدر نفسه، ص223

[4] المصدر نفسه، ص223

[5] المصدر نفسه، ص232

[6] المصدر نفسه، ص228

[7] المصدر نفسه، ص234

[8]  المصدر نفسه،ص234

[9]  المصدر نفسه، ص235


author-img
باحث في الدراسات الدينية المقارنة

تعليقات